Print this page

الأهمّ والمهمّ في مسيرة السّبت 

لن تتجاوب السّلطة الحاكمة مع أيّ من المطالب

الّتي ستُرفع في مسيرة يوم السّبت. فقط، يبقى من الهامّ انتظار تعاملها مع المتظاهرين، وقد لاحقت التّحرّكات الجماهيريّة الأخيرة، بذريعة الشّعارات الّتي ردّدها المحتجّون.
ولا يُتوقّع أن يفرض الدّاعون لهذه المسيرة أنفسُهم كرقمٍ صعبٍ يُغيّر من موازين القوى في مشهدٍ شديد الّتعقيد وأجواءٍ شديدة الضّبابيّة.
قد تهتمّ السّلطة أكثر بحجم الّتعبئة، وكذا سيفعل المنظّمون، ولو أنّ مدى الاستجابة لدعوات التّظاهر لم يعد الأهمّ، حسب تقديري، منذ "يوم الغضب البيئيّ" الّذي شهدته مدينة قابس، العام الماضي، وانخرط فيه عشرات الآلاف من المواطنين هناك.
الدّعوة إلى المسيرة جاءت في سياق إعلان اتّحاد الشّغل ورابطة حقوق الإنسان وهيئة المحامين، بداية الشّهر الماضي، تشكيل تنسيقيّة تهدف التّعامل مع الأزمات السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الّتي تشهدها البلاد.
بقيت الفكرة مبهَمةً، بلا ملامحَ واضحةٍ أو توجَهاتٍ معلَنةٍ، غموضٌ غذّته بشكل أكبر تصريحات من بطحاء محمّد عليّ بأنّ الإطار الوليد لا يشمل الأحزاب السّياسيّة، مع تشديد أمين عامّ كبرى المنظّمات العمّاليّة التّونسيّة، صلاح الدّين السّالمي، على أنّ مسيرة يوم السّبت جاءت "نتيجةً لغياب المفاوضات الاجتماعيّة".
ومن الصّعب فهم – أو حتّى تفهّم – إصرار قيادة الاتّحاد على نزع الطّابع السّياسيّ عن أيّ ملف تخوض فيه. فالوضع الاجتماعيّ المتردّي أسبابه سياسيّةٌ وطرق حلّه سياسيّةٌ. بل حتّى أزمة الملعب الأولمبيّ بالمنزه سياسيّةٌ، هي الأخرى، تُلخّص الفشل الذّريع في الحوكمة، في ظلّ حالة التّخبّط في التّخطيط.
كما إنّ الاتّحاد لم يعد يملك امتياز اختيار شُركائه، وهو في أحلك ظروفه. فبمجرّد وقف الاقتطاع الآلي، فقد هذا الجسم التّاريخيّ الهائل – من حيث الحجم، على الأقلّ – أهمّ مصدر تمويل له، وسُرعان ما تكشّفت بواطن ضعفه البنيويّ في القدرات التّنظيميّة.
ولا يُمكن فصل ذلك عن حقيقة أنّ السّلطة الحاكمة ترفض بشكل قاطع تشريكه وأيّ جسمٍ وسيطٍ آخر في أيّ مشروعٍ أو حوارٍ.
لكن، جاء بيان عددٍ من الأحزاب تُعلن عبره انخراطها في مسيرة السّبت ليعزّز طرح مسيرة يوم السّبت كإعلان رفضٍ للسّياسات التّي تنتهجها الدّولة على جميع المستويات، بيان أعقبته عريضة وقّع عليها ناشطون يُعلنون بدورهم الالتحاق بالمسيرة، بل ويُحاولون رفع مستوى مطالبها.
ولم يخلُ ذلك من جدلٍ حادٍّ، دار أساسًا حول مشاركة النّهضة من عدمها في المسيرة، إذ فُهم من الدّعوة للتّظاهر وما تبعها من بياناتٍ أنّ الحركة غير مرغوبٍ فيها.
ولا أذيع سرًّا لو قلت إنّه ثمّة مأزقٌ حقيقيٌّ في صفوف قوى الرّفض في التّعامل مع الأزمة المركّبة الّتي تعيشها البلاد. فصفوفها لا تزال ممزّقة بالانقسامات، ناهيك عن كونها مستنزفةً بالملاحقات القضائيّة والتّضييقات. ولا تبدو أنّ هناك أمامها آفاقٌ سياسيّةٌ لأيّ جهدٍ تبذله، في ظلّ سلطةٍ حاكمةٍ أوصدت أبواب الحوار كافّة. هذا إلى جانب غياب أيّ رؤيةٍ لديها فيما يتعلّق بالحلول والبدائل، وقد تجاوزتها ملفّاتٌ حارقةٌ عدّة، كتعديل قانون الصّكوك البنكيّة الّذي لا يزال يُلقي بظلاله على الاقتصاد والعائلة، على حدّ سواء، وأزمة الكهرباء والماء، الصّيف الماضي، وانهيار الخِدمات الأساسيّة، وديون الصّناديق الاجتماعيّة المتعاظمة ...
بعبارة أخرى، يتقدّم الرّئيس، قيس سعيّد، بلا بوصلةٍ، تمامًا مثل المعارضة، بشتّى تشكيلاتها، وعلى اختلاف توجّهاتها السّياسيّة.
لكن، يبقى فِعل التّظاهر حيويًّا. فمن الضّروريّ الحفاظ على الزّخم الاحتجاجيّ، مهما كان الدّافع من وراء التّظاهر. قد نُضطرّ في كثيرٍ من الأحيان عدم رفع سقف التّطلّعات عاليًا، لكن، يبقى الشّارع متنفّسًا هامًّا، في ظلّ غياب أطرٍ أخرى للتّعبير. وذاك أهمّ ما في مسيرة السّبت!

بقلم: بسّام بوننّي

 

المشاركة في هذا المقال